حظر تمويل الذهب.. هل يغلق بابًا أمام مخاطر الاقتراض لأغراض استثمارية؟

أثار قرار الهيئة العامة للرقابة المالية بحظر تمويل شراء سبائك ومشغولات الذهب والفضة والبلاتين من خلال شركات التمويل الاستهلاكي، جدلًا حول طبيعة استخدام هذا النوع من التمويل، في ظل تنامي الإقبال على شراء الذهب باعتباره أحد الأوعية الاستثمارية، وليس مجرد سلعة للاستهلاك. ويأتي قرار حظر تمويل المعادن الثمينة في وقت يشهد فيه نشاط التمويل الاستهلاكي نموًا ملحوظًا، إذ استحوذت فئة «السلع الأخرى» على نحو 24% من إجمالي التمويلات الاستهلاكية الممنوحة خلال النصف الأول من 2026، وهي الفئة التي تندرج ضمنها تمويلات شراء الذهب والمشغولات الثمينة، من إجمالي تمويلات بلغت قيمتها نحو 66.7 مليار جنيه. وسجل حجم التمويل الاستهلاكي الممنوح للعملاء خلال أول 6 أشهر من العام الجاري نموًا سنويًا بنسبة 75.2%، ليصل إلى 66.7 مليار جنيه، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما ارتفع عدد المستفيدين من خدمات التمويل الاستهلاكي بنسبة 65% إلى نحو 7.9 مليون عميل، وفقًا لأحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية. ويرى خبراء في سوق التمويل والذهب تحدثوا إلى «الاستثمار العربي» أن القرار يستهدف الفصل بين التمويل المخصص لشراء السلع والخدمات الاستهلاكية، والاقتراض بغرض الاستثمار، مؤكدين أن استخدام التمويل الاستهلاكي لشراء الذهب بهدف تحقيق مكاسب من ارتفاع أسعاره يغير طبيعة المنتج التمويلي ويزيد من المخاطر المحتملة على العملاء. زعتر: حظر تمويل شراء الذهب يقلل مخاطر التعثر قال سعيد زعتر رئيس الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي والرئيس التنفيذي والعضو المنتدب السابق لـ كونتكت المالية القابضة،  إن قرار الهيئة العامة للرقابة المالية بحظر تمويل شراء الذهب من خلال شركات التمويل الاستهلاكي قرار سليم 100%، موضحًا أن الذهب من أسرع الأصول التي يمكن تسييلها، وهو ما قد يتسبب في زيادة حالات التعثر. وأوضح زعتر لـ«الاستثمار العربي» أن التمويل الاستهلاكي يستهدف في الأساس السلع الاستهلاكية، بينما الذهب لا يُعد سلعة استهلاكية بالمعنى المقصود في هذا النوع من التمويل، وإنما يمثل أداة يمكن تحقيق مكاسب منها وأحد الأوعية الاستثمارية. وأضاف أن الهيئة رأت أن استمرار تمويل شراء الذهب قد يؤدي إلى حالات تعثر مالية كبيرة بين العملاء، فضلًا عن إمكانية استخدام التمويل في غير الغرض المخصص له، لذلك اتجهت إلى وقف تمويل شراء الذهب لإغلاق الباب أمام أي ممارسات قد تؤدي إلى تعثرات أو مشكلات في السوق. وأكد أن القرار يستهدف حماية السوق والعملاء، معتبرًا أن تنظيم هذا النوع من التمويل يأتي في إطار الحد من المخاطر المحتملة الناتجة عن استخدام التمويل الاستهلاكي في أغراض استثمارية. وأشار زعتر إلى أن الأموال التي كانت تُوجه لتمويل شراء الذهب تمثل مبالغ ضخمة، نظرًا لارتفاع القيمة الأساسية للذهب، متوقعًا أن يكون الإقبال على هذا النوع من التمويل قد ارتفع خلال الفترة الماضية، بالتزامن مع زيادة توجه المواطنين نحو الاستثمار وشراء الذهب. وأوضح أنه في حال عدم توافر السيولة لدى العميل، فقد يلجأ إلى التمويل الاستهلاكي لشراء سبيكة أو غيرها من منتجات الذهب، رغم أن هذا الاستخدام لا يتوافق مع الغرض الأساسي للتمويل الاستهلاكي. ولفت إلى أن الذهب لا يحقق عائدًا ثابتًا، بل يشتريه العميل ويحتفظ به ترقبًا لزيادة سعره، وهو ما يجعله أداة للمضاربة يمكن أن تحقق مكاسب أو خسائر وفقًا لحركة الأسعار. وأشار إلى أن تراجع أسعار الذهب خلال بعض الفترات أدى إلى تعرض عدد من المستثمرين لخسائر، وهو ما قد ينعكس على قدرتهم على سداد التزامات التمويل ويرفع معدلات التعثر. وكشف زعتر أن نسبة الإقبال على شراء الذهب بالتقسيط من خلال شركات التمويل الاستهلاكي قد لا تتجاوز نحو 15% إلى 20%. الشبراوي: استخدام التمويل في شراء الذهب حوّله من سلعة استهلاكية إلى استثمار وقال محمد الشبراوي، الرئيس التنفيذي لشركة Sympl للتمويل الاستهلاكي، إن قرار الهيئة العامة للرقابة المالية بالاتجاه نحو حظر شراء الذهب من خلال التمويل الاستهلاكي يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وكان من المفترض اتخاذه منذ فترة. وأوضح الشبراوي لـ«الاستثمار العربي» أن الرقابة المالية سمحت، وفقًا للقانون، بتمويل شراء المشغولات الذهبية منذ نحو 8 أو 9 سنوات، إلا أن تطورات السوق أدت إلى استخدام التمويل في شراء الجنيهات الذهبية والسبائك والأونصات، بما حوّل المنتج بالنسبة للعميل من تمويل سلعة استهلاكية إلى تمويل للاستثمار والادخار. وأضاف أن استخدام التمويل الاستهلاكي لشراء الذهب بهدف الاستثمار أدى إلى لجوء بعض المواطنين إلى الاقتراض من أجل الاستثمار، وهو ما اعتبره ممارسة غير صحيحة في إطار قانون التمويل الاستهلاكي. وأشار إلى أن التمويل الاستهلاكي يستهدف في الأساس مساعدة العميل على شراء سلعة أو خدمة استهلاكية، بينما تمويل شراء الذهب بغرض الاستثمار يعني تمويل شراء سلعة استثمارية أو وعاء استثماري، وهو ما يتعارض مع طبيعة التمويل الاستهلاكي، ومن ثم جاء اتجاه الهيئة لوقف هذا الاستخدام. وشدد الشبراوي على ضرورة عدم الربط بين حالات التعثر وتمويل شراء الذهب، مؤكدًا أن الشخص الذي اشترى الذهب قبل عام أو عامين، حتى إذا كان قد اشتراه بالدين، استفاد من ارتفاع الأسعار، إذ أصبح سعر الذهب حاليًا نحو ثلاثة أمثال مستوياته السابقة. إمبابي: القرار جاء متأخرًا وكان يجب اتخاذه في وقت سابق ومن جهته، قال سعيد إمبابي المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة ، إن قرار الهيئة العامة للرقابة المالية بحظر تمويل شراء الذهب من خلال شركات التمويل الاستهلاكي جاء متأخرًا، وكان من الضروري اتخاذه في وقت سابق، خاصة مع استخدام بعض العملاء شركات التمويل الاستهلاكي لشراء الذهب بالتقسيط ثم تسييل قيمته واستخدامه في أغراض أخرى، ما أدى في بعض الحالات إلى تراكم الديون والأحكام القضائية. وأوضح إمبابي لـ«الاستثمار العربي» أن الذهب لا ينبغي أن يندرج ضمن السلع الاستهلاكية، وإنما السلع الاستثمارية، باعتبار أن الأصل في الذهب أنه أداة نقدية وليست سلعة استهلاكية بالمعنى التقليدي. وأضاف أن القرار يستهدف حماية العملاء الذين قد لا يقدرون تداعيات الاقتراض لشراء الذهب بالتقسيط، ومنع استخدام شركات التمويل الاستهلاكي في أغراض قد تؤدي إلى الإضرار بالعملاء أو زيادة أعبائهم المالية. وأكد أن القرار لا يؤثر على سوق الذهب من حيث البيع أو الشراء، كما لا يؤثر على مستويات الطلب أو الأسعار، مشيرًا إلى أن السعر يتحدد بصورة أساسية وفقًا للبورصة العالمية وسعر الدولار مقابل الجنيه. وأشار إلى أن شراء الذهب بالتقسيط كان منتشرًا بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية، سواء من خلال منصات البيع عبر الإنترنت التي كانت تتيح أنظمة التقسيط، أو المحال والشركات التي كانت تتعامل بشكل مباشر مع العملاء. وعن تأثير قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة على الذهب، قال إمبابي إن القرار كان متوقعًا من الأسواق، التي اتخذت خطوات استباقية قبل صدوره. وأوضح أن الذهب تراجع بعد القرار بنحو 1% فقط أمس، قبل أن يعوض خسائره ويرتفع بنحو 1.2% بتعاملات اليوم. ولفت إلى أن تراجع أسعار الذهب محليًا جاء نتيجة انخفاض سعر الدولار أمام الجنيه بنحو 20 قرشًا تقريبًا، مؤكدًا أن سعر صرف الدولار يمثل العامل الأهم في تحديد حركة الذهب بالسوق المحلية خلال الفترة الحالية والمقبلة. وأوضح إمبابي أن وصول سعر الدولار إلى مستوى 55 جنيهًا قد يدفع سعر جرام الذهب إلى نحو 6500 جنيه، بينما وصول الدولار إلى 60 جنيهًا قد يدفع سعر جرام الذهب إلى مستويات تقترب من 7000 جنيه. وأشار إلى أن الذهب عالميًا يتحرك في نطاق يتراوح بين 4300 و4500 دولار للأوقية، إلا أن التأثير الأكبر على الأسعار المحلية يظل مرتبطًا بسعر صرف الدولار أمام الجنيه.