ما تأثير الأزمة بين واشنطن وطهران على الاقتصاد المصري؟

تثير التطورات المتسارعة في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران حالة من القلق في الأسواق العالمية، مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما قد ينعكس بدوره على اقتصادات الدول الناشئة، ومنها الاقتصاد المصري. وتتجه الأنظار إلى تأثيرات هذه الحرب على عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية في مصر، وعلى رأسها سعر صرف الدولار ومعدلات التضخم، في ظل ارتباط الاقتصاد المحلي بالمتغيرات العالمية، خاصة فيما يتعلق بتدفقات الاستثمارات الأجنبية وأسعار الطاقة والسلع الأساسية. أبو الفتوح: التوترات ضربت الاقتصاد في وقت بدأت فيه المؤشرات بالتحسن قال هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، إن التوترات الإقليمية ضربت الاقتصاد المصري في وقت بدأت فيه معظم المؤشرات الحيوية بالتحسن؛ حيث كان البنك المركزي قد بدأ في خفض الفائدة، والاحتياطيات سجلت مستويات تاريخية، وتجاوزت تحويلات المصريين في الخارج إيرادات قناة السويس لأول مرة. لكنه أشار إلى أن المستثمرين الأجانب تفاعلوا بسرعة، وبدأ تخارج واضح من أدوات الدين المحلي منذ فبراير 2026، رغم بلوغ الاحتياطي 52 مليار دولار. وأضاف أبو الفتوح في تصريحات خاصة لـ”الاستثمار العربي” أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وتصاعد أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل يرفعان تكاليف الشحن والتأمين على البضائع، خاصة وأن مصر تستورد احتياجات أساسية كالقمح والدواء عبر هذا المسار. وفي الوقت ذاته، ينكمش النشاط الصناعي جراء نقص إمدادات الغاز وارتفاع تكاليف المدخلات. وأوضح الخبير الاقتصادي أن البنك المركزي الآن أمام معادلة صعبة؛ فالتضخم الذي تجاوز 13% مع ارتفاع ملموس في أسعار الغذاء سيؤدي غالبًا إلى فرملة دورة التيسير النقدي أو العودة لرفع الفائدة. وأضاف أن خفض الفائدة بمقدار 825 نقطة في سنة واحدة كان قراراً جريئاً، لكنه يبدو رهانًا على هدوء لم يأتِ بعد؛ فالأرقام الرسمية تشير إلى استقرار، بينما الشارع يلمس واقعًا مختلفًا تمامًا. وأكد أبو الفتوح أن الأزمة الأخيرة قد أكدت أن الاعتماد على إيرادات قناة السويس دون امتلاك أدوات دفاعية كافية عند اضطراب المنطقة يستوجب إعادة التفكير في الاستراتيجية الاقتصادية من الصفر. وأضاف أن السياحة، بعد عام استثنائي، تواجه الآن حذراً أوروبياً وإلغاءات جزئية، وأن برامج الدعم الحالية تخفف الألم لكنها لا تعالج السبب، لذلك هناك حاجة لبرامج حماية اجتماعية مرنة تصل بسرعة لمستحقيها بدل النظم الموروثة منذ سنوات. أنيس: الحرب تضع الاقتصاد المصري أمام ضغوط مزدوجة قال محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، إن تداعيات الحرب على الاقتصاد المصري ترتبط بشقين رئيسيين، هما التدفقات الدولارية والتسعير، موضحًا أن التطورات الجيوسياسية سيكون لها تأثير مباشر على عدد من المؤشرات الاقتصادية. وأضاف أنيس أن أسعار المحروقات العالمية شهدت ارتفاعًا كبيرًا، وهو ما سينعكس بدوره على بند دعم المحروقات في الموازنة العامة للدولة، مشيرًا إلى أن ذلك قد يترتب عليه رفع أسعار المحروقات محليًا. وأوضح “لـ”الاستثمار العربي” أن الضغوط الحالية قد تؤثر أيضًا على سعر صرف الدولار نتيجة عدة عوامل، من بينها سحب بعض الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة وزيادة الطلب على الدولار، إلى جانب احتمالات تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي مثل تحويلات المصريين بالخارج، إيرادات السياحة، وقناة السويس. وأشار إلى أن هذه العوامل مجتمعة قد تدفع معدلات التضخم للارتفاع بنحو يتراوح بين 3% و5%، نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات وتأثيرها على تكلفة السلع والخدمات، بالإضافة إلى الضغوط الناتجة عن تحركات سعر الدولار. وتوقع أن يتوقف البنك المركزي المصري عن سياسة التيسير النقدي التي اتبعها خلال الفترة الماضية، مرجحًا أن يتجه المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة في ظل الضغوط التضخمية الحالية. فؤاد: التصعيد العسكري يضغط على الدولار ويرفع معدلات التضخم قال محمد فؤاد، خبير اقتصادي، إن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة سيكون له انعكاسات مباشرة على سعر الدولار ومعدلات التضخم في الاقتصاد المصري، في ظل حساسية الأسواق الناشئة للتوترات الجيوسياسية العالمية. وأوضح لـ”الاستثمار العربي” أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تدفع المستثمرين إلى تقليل المخاطر والخروج من الأسواق الناشئة، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط على تدفقات الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين، ما ينعكس بدوره على سوق الصرف وسعر الدولار. وأضاف أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا نتيجة التوترات يرفع فاتورة الواردات البترولية لمصر، ما يزيد من الضغوط على سوق الصرف، مشيرًا إلى أن هذه التطورات بدأت بالفعل في الظهور مع خروج قرابة 6 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية منذ تصاعد الأزمة. وأشار فؤاد إلى أنه إذا ارتفعت أسعار النفط والسلع عالميًا نتيجة الحرب، فإن ذلك سينعكس سريعًا على تكلفة النقل والإنتاج داخل الاقتصاد المحلي، خاصة في ظل الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات في مصر. وأوضح أن ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج ينتقل بدوره إلى أسعار السلع والخدمات، ما قد يؤدي إلى موجة تضخمية إضافية داخل الاقتصاد، لاسيما في السلع الغذائية والطاقة، مما يزيد من الضغوط على البنك المركزي ويجعل مهمة ضبط الاستقرار النقدي أكثر تعقيدًا.