رسالة هشام عز العرب: الخطر ليس الآن.. بل فيما هو قادم

سارة علي شهدت السوق المصرفية مؤخرًا حالة من الزخم والجدل الواسع عقب التصريحات التي أدلى بها الخبير المصرفي الأستاذ هشام عز العرب، والتي وضع من خلالها يده على ملف شديد الحساسية يرتبط مباشرة بمستقبل شركات التمويل الاستهلاكي في مصر. هذا الملف الذي ظل لسنوات يتوسع في صمت دون مراجعة حقيقية لطبيعة هذا النمو المتسارع. ورغم أن البعض فسر حديث عز العرب على أنه هجوم مباشر ضد هذه الشركات، إلا أن النظرة المتعمقة للكلمات تكشف عن رغبة جادة في دق ناقوس الخطر بشكل مبكر، وتوجيه الأنظار نحو طبيعة الطفرة الحالية ومدى قدرة القطاع على الاستمرار بذات الوتيرة دون السقوط في فخ الأزمات المستقبلية. لقد عاش قطاع التمويل الاستهلاكي انتعاشه غير مسبوقة خلال الفترة الماضية، مستفيدًا من التحول الكبير في سلوك المستهلك المصري الذي بات يعتمد على التقسيط كخيار إجباري لمواجهة التضخم وتراجع القوة الشرائية. وبمرور الوقت، لم يعد التقسيط يقتصر على السلع الاستراتيجية كالسيارات والأجهزة الكهربائية، بل امتد ليشمل الخدمات والاحتياجات اليومية، مما جعله محركًا أساسيًا لحركة البيع والشراء. ومع هذا التوسع العمودي والأفقي، بدأت تطفو على السطح تساؤلات مشروعة تدور حول مدى سلامة هذا النمو، وهل تفرط بعض الشركات في منح الائتمان بما يتجاوز القدرات المالية الحقيقية للمواطنين، فضلاً عن مدى تأثير المنافسة الشرسة على جودة المحافظ الائتمانية للشركات التي باتت تبحث عن الكم على حساب الكيف. إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في طبيعة عمل شركات التمويل الاستهلاكي التي تساهم بلا شك في تنشيط حركة الأسواق ودعم الاقتصاد المحلي، بل ترتبط بالسرعة الرهيبة التي يتحرك بها القطاع بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة والضغوط المالية المتزايدة على كاهل المستهلكين. ومع استمرار تزايد الأعباء المادية، تزداد احتمالية تعثر العملاء عن السداد، وهي النقطة الحرجة التي تبدأ عندها التحديات الحقيقية للشركات التي تعتمد في دورتها المالية على التدفقات النقدية المنتظمة من الأقساط. إن السباق المحموم للاستحواذ على الحصص السوقية دفع العديد من الجهات لتقديم تسهيلات ائتمانية كبرى دون تدقيق كافٍ، وهو ما يبرز القيمة الحقيقية لطرح هشام عز العرب، الذي لم يكن يتحدث عن أزمة يمر بها القطاع في الوقت الراهن، وإنما كان يستشرف ملامح أزمة قادمة قد تعصف بالسوق إذا استمرت معدلات المنح بذات العشوائية ودون ضوابط صارمة. في النهاية، نجحت هذه التصريحات في فتح نقاش مجتمعي واقتصادي كان القطاع في أمس الحاجة إليه، وقد تمهد الطريق نحو إعادة تقييم شاملة لمنظومة التمويل الاستهلاكي في مصر، نظراً لأن أي هزة في هذا القطاع الحيوي ستلقي بظلالها مباشرة على المنظومة البنكية، والشركات، والمواطن على حد سواء.