وليد عبد العظيم يكتب | رسالة من أمام قبر أبي
من هنا، من حيث يسكن الصمت وتثقل الكلمات، أقف أمام قبرك يا أبي، فأدرك أن الفقد ليس كلمة، بل وجعٌ لا يُرى.
ما أصعب الرحيل حين يأتي بلا استئذان، وما أثقل الغياب حين يكون غياب الأب. عشتَ في هدوء يشبه نقاء قلبك، ورحلتَ في هدوء أشد قسوة، كأنك لم تُرِد أن تُتعب أحدًا حتى في وداعك.
الآن فقط أفهم…
زيارتك الأخيرة لبيتي لم تكن عابرة، وإصرارك الغريب على السفر إليّ لم يكن صدفة. جئتَ يا أبي لتودّعني، وأنا لم أكن أعلم. لو كنتُ أعلم أن ذلك اللقاء هو الأخير، لما سمحتُ للحظة واحدة أن تسرقك من عيني، ولا تركتُك تغادر دون أن أختزن صوتك وملامحك في قلبي إلى الأبد.
غيابك كسر ظهري، وأثقل عمري بأعوامٍ فوق أعوامه، رغم أن فراقك لم يتجاوز اثنين وثلاثين يومًا. أيامٌ قليلة في حساب الزمن، لكنها دهور كاملة في حساب القلب. منذ رحيلك وأنا أكبر كل يوم، لا لأنني أتعلم، بل لأن الحزن يُعجّل بالشيخوخة.
ومع ذلك، يا أبي، لم ترحل وحدك. تركتَ خلفك سيرة طيبة تمشي بين الناس، وكلمات ثناء تسبق اسمك أينما ذُكر. حديثهم عنك بلسمٌ لجراحي، وذكراك دواءٌ أتشبث به كلما اشتد الألم. أواسي نفسي بأنك عشت كريمًا، ورحلت نظيف القلب، وأن ما يبقى من الإنسان ليس عمره، بل أثره.
نم قرير العين يا أبي، فقد تركتَ فينا ما يكفي لنشتاق، وما يكفي لنفخر، وما يكفي لنصبر…
وإلى أن نلتقي، سأظل أزورك محمّلًا بالدعاء، وأحدّثك عن شوقٍ لا يهدأ، وحبٍ لا يعرف الفقد.
وليد عبد العظيم – رئيس التحرير