ما بعد صندوق النقد.. كيف ترسم مصر خارطة برنامج الإصلاح الجديد؟

تستعد مصر لمرحلة جديدة من مسار الإصلاح الاقتصادي مع اقتراب انتهاء برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي، وسط دعوات إلى صياغة برنامج وطني واضح المعالم لما بعد الصندوق، يستند إلى إصلاحات هيكلية قابلة للقياس، ويضع جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة للتصدير في مقدمة أولوياته، بما يسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق معدلات نمو مستدامة وتقليص فجوة الميزان التجاري. أنيس: سبتمبر المقبل أنسب توقيت لإعلان برنامج مصر لما بعد صندوق النقد وفي هذا السياق، قال محمد أنيس، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء، إن برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي سينتهي مع نهاية العام، ولذلك فإن سبتمبر المقبل يعد أنسب توقيت لإعلان الحكومة عن برنامجها الوطني لما بعد صندوق النقد، بما يعكس استعداد الحكومة الكامل للمرحلة المقبلة. وأضاف فى تصريح خاص لجريدة الاستثمار العربي، أن البرنامج المرتقب من المفترض أن يكون تنفيذيًا وتفصيليًا، ويتضمن إجراءات قابلة للقياس ومواعيد زمنية محددة لتنفيذها، مشيرًا إلى أن هذا البرنامج يجب أن ينبثق من الاستراتيجية الوطنية المصرية، وهو تعبير أطلقه على مجموعة من الأسس التي ترتكز عليها الرؤية الاقتصادية، وصولًا في نهايتها إلى استنتاج وعنوان رئيسي واضح. وأوضح أن العنوان الرئيسي لهذه الاستراتيجية الاقتصادية المصرية يتمثل في اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر المستهدف للتصدير، موضحًا أن ذلك يأتي انطلاقًا من انتهاء قدرة الدولة على تنفيذ استثمارات عامة بنفس الوتيرة التي شهدتها السنوات الماضية، إلى جانب انتهاء قدرتها على تنفيذ الاتفاقيات مع مؤسسات التمويل الدولية، سواء صندوق النقد الدولي أو الاتحاد الأوروبي أو البنك الدولي، وبالتالي فإن المرحلة المقبلة تتطلب الاعتماد بصورة أكبر على القطاع الخاص. وأشار أنيس إلى أن مصر تعاني من مشكلة في الميزان التجاري، إذ تستورد ضعف ما تصدره، موضحًا أن حجم الواردات يبلغ نحو 100 مليار دولار، مقابل صادرات تقدر بنحو 50 مليار دولار، ومن ثم فإن النشاط الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة يجب أن يستهدف سد هذه الفجوة وتغيير المعادلة، بحيث تصبح الصادرات أكبر من الواردات. وأكد أن تحقيق هذا الهدف لن يحدث إلا من خلال جذب استثمارات أجنبية مباشرة مستهدفة للتصدير، موضحًا أنه في حال توافرت هذه القناعة وتم وضعها موضع التنفيذ، فسوف ينبثق عنها برنامج ما بعد صندوق النقد. وأضاف أن تحديد هدف واضح يتمثل في اجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة تستهدف التصدير سيضع أمام الحكومة مجموعة من الحقائق والتحديات التي يجب التعامل معها، وفي مقدمتها البيروقراطية، والعمل على التحول الرقمي، وتعزيز الشمول المالي، وتوفير مناطق صناعية مرفقة بأسعار مناسبة، إلى جانب توفير المواد الخام المطلوبة، وتدريب فني كفء ومرتفع الإنتاجية. وشدد على أن هذه الملفات تمثل أساس البرنامج التنفيذي التفصيلي، الذي يجب أن يتضمن إجراءات واضحة بمواعيد ثابتة ومحددة وقابلة للقياس، بما يسمح بتقييم مدى نجاح التنفيذ وتحقيق المستهدفات. جاب الله: «برنامج وطني» عنوان خادع.. والإصلاح الاقتصادي يجب أن يستمر من جانبه، قال وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء، إن فكرة الإعداد لبرنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد انتهاء البرنامج الحالي الذي تنفذه مصر بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تعتبر عنوانًا خادعًا، لأن جميع البرامج الاقتصادية تعد برامج وطنية، موضحًا أن البرنامج الحالي مع صندوق النقد هو أيضًا برنامج وطني، ويراعي الاعتبارات الوطنية والمعايير الدولية. وأضاف فى تصريح خاص لجريدة الاستثمار العربي، أن مصر ستظل في برامجها الاقتصادية المقبلة مراعية للأبعاد الداخلية والمعايير الدولية، موضحًا أن المقصود من فكرة إعداد برنامج لا يحتاج إلى تمويل من صندوق النقد الدولي هو أن يأتي البرنامج المقبل للإصلاح الاقتصادي استمرارًا لمسار إصلاح اقتصادي بدأته مصر في نوفمبر 2026، مع الأمل في تطبيق هذا البرنامج دون الحاجة إلى تمويل من صندوق النقد الدولي. وأكد جاب الله أنه حتى في حال احتياج مصر إلى تمويل في مراحل لاحقة، فإن ذلك لا يمثل أمرًا سيئًا، باعتبار أن مصر عضو في صندوق النقد الدولي، مشيرًا إلى أنه سواء حصلت مصر على تمويل من الصندوق أو لم تحصل، فإنها تتشاور باستمرار مع خبراء الصندوق بشأن الإجراءات الإصلاحية التي تقوم بها. وأوضح أن هناك توافقًا من جانب الاقتصاديين في الداخل والخارج والمؤسسات الدولية على أهمية أن تنطلق مصر في إصلاحاتها الهيكلية، وأن تتمسك بثوابت الإصلاح الاقتصادي، وفي مقدمتها الحفاظ على سعر صرف مرن، وأسعار طاقة مرنة، والعمل على احتواء التضخم والسيطرة على الدين، وتحفيز نشاط القطاع الخاص، وتطبيق سياسة ملكية الدولة. وأشار إلى ضرورة مراعاة كافة الاعتبارات التي تمكن مصر من الحفاظ على المكتسبات التي تحققت من برامج الإصلاح السابقة، على أن تؤسس برنامجها الاقتصادي المقبل بصورة واقعية، بحيث تبني من خلاله على النجاحات التي تحققت عبر البرامج الاقتصادية خلال السنوات الماضية. وشدد جاب الله على أهمية أن تكون مستهدفات البرنامج المقبل واضحة ومحددة، سواء من حيث المحاور أو الأهداف الكمية والزمنية، بما يسمح بتقييم مدى نجاح البرنامج، مؤكدًا أن الهدف الأساسي منه يجب أن يتمثل في استمرار مسيرة الإصلاح الاقتصادي وتحقيق أكبر قدر ممكن من تحسين أحوال المواطن المصري.