مقال || البورصة المصرية: بوابة أفريقيا إلى المستقبل

عمرو العبد – مستشار رئيس الوزراء لريادة الأعمال والمدير الاقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – إنديفور أفريقيا اليوم واحدة من أسرع مناطق العالم نموًا في ريادة الأعمال. ففي عام 2025 جمعت الشركات الناشئة الأفريقية 4.1 مليار دولار، بزيادة 25% عن العام السابق، وهو أقوى أداء منذ 2022. ومصر في قلب هذه القصة، فهي ضمن أكبر أربعة أسواق مع نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا، وتستحوذ هذه الأسواق معًا على 72% من إجمالي التمويل. لكن هناك سؤالًا واحدًا يقلق كل مستثمر في القارة: كيف سأخرج؟ مشكلة التخارج هي التحدي الأكبر أمام رأس المال المخاطر في أفريقيا. فالطروحات العامة ما زالت تمثل نسبة ضئيلة جدًا من تخارجات الشركات الناشئة، ومعظم الصفقات تتم عبر الاستحواذ، وهي في حد ذاتها قليلة. والنتيجة؟ أفريقيا تصنع شركات يُعجب بها العالم، لكنها لا تحتفظ إلا بجزء صغير من قيمتها الاقتصادية داخل القارة. كما أن عدد الشركات وحجم الاستثمار فيها لا يتناسبان مع إمكانيات القارة، لأن المستثمر عندما لا يرى طريقًا واضحًا للخروج، يتردد في الدخول من الأساس. على مدار العقد الماضي، ضُخ في الشركات الناشئة الأفريقية ما بين 20 و25 مليار دولار، وصنعت هذه الاستثمارات قيمة تعادل أضعاف هذا الرقم. فشركات اليونيكورن في أفريقيا وحدها تتجاوز قيمتها 16 مليار دولار. لكن معظم هذه القيمة ما زالت حبيسة على الورق، تبحث عن طريق للخروج. وفي تقديري، لو فتحنا طريقًا واضحًا للسيولة، فإن حجم الاستثمار في القارة يمكن أن يتضاعف خمس مرات. فكل تخارج ناجح يعيد الأموال إلى المستثمرين، فيعيدون ضخها في جيل جديد من الشركات، وتبدأ الدائرة في الدوران. وهنا تكمن فرصة مصر، ولدينا بالفعل ما يثبت أنها ممكنة.فقد أثبتت الطروحات الأخيرة لشركات التكنولوجيا في البورصة المصرية أن هناك شهية حقيقية لدى المستثمرين المحليين والأجانب. والدولة اليوم تضع هذا الملف على رأس أولوياتها.ففي ختام منتدى مصر 2026، أُعلن عن مبادرة تحت رعاية رئيس الجمهورية تستهدف إنشاء خمس شركات مليارية على الأقل خلال السنوات الخمس المقبلة. وهو هدف طموح يستحق أن نلتف حوله جميعًا، لكن الوصول إليه يتطلب أن يرى المستثمرون طريقًا واضحًا للخروج. فالشركات المليارية لا تُبنى بالتمويل وحده، بل بسوق قادر على أن يمنحها قيمتها الحقيقية. وكلما أصبحت البورصة المصرية بوابة للتخارج، أصبح هذا الهدف أقرب، بل ويمكن أن نتجاوزه. لكن المنافسة بدأت. ففي أواخر 2025 استضافت بورصتا جوهانسبرج والدار البيضاء طروحات نادرة لشركات تكنولوجيا. والسؤال هو: من سيصبح البوابة الأولى لأفريقيا؟ تخيلوا لو أصبحت البورصة المصرية المنصة الأولى لإدراج الشركات الأفريقية الواعدة. لدينا من أعرق البورصات في المنطقة، وموقع يربط أفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا، وكفاءات قوية في القانون والمالية والتكنولوجيا. إذا نجحنا، فلن نكون مجرد سوق للأسهم، بل: – مركزًا لرأس المال: يتدفق إليه المستثمرون الباحثون عن النمو الأفريقي من بوابة واحدة. – وجهةً للمواهب: تأتي إليه الشركات وفرقها لتعمل وتتوسع من القاهرة. – جسرًا للتكنولوجيا: تنتقل عبره الحلول والابتكارات بين أسواق القارة. والأهم أننا لن نحل مشكلة مصرية فقط، بل مشكلة أفريقية. فحين يجد المستثمر طريقًا واضحًا للتخارج، سيستثمر أكثر، وستنمو شركات أكثر، وسيكبر الاقتصاد الأفريقي كله. الطريق يحتاج إلى تشريعات مرنة لإدراج الشركات الأجنبية، وحلول عملية لتحويل العملة، وسيولة أعمق. لكن الدول التي تصنع المستقبل هي التي تبدأ قبل أن يكتمل الطريق. مصر لا يجب أن تكتفي بأن تكون جزءًا من أفريقيا، بل يمكن أن تكون مركزها لريادة الأعمال، وبوابتها إلى أسواق المال في العالم.